الشيخ بدر بن علي طامي العتيبي مرحبا بكم في موقع غرفة دعوة التوحيد لـ (الشيخ الفاضل بدر العتيبي) - تم بحمد الله إفتتاح الموقع التجريبي - نسأل الله أن يعيننا على هذا العمل وأن يكون خالصاً لوجهه الكريم ودعمكم لنا دعائكم في ظهر الغيب .

 محتويات الموقع
 درر من أقوال أهل الاثر

 

عن أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْهُومَانِ لا يَشْبَعانِ: طالبُ علمٍ وطالب دنيا) أخرجه الحاكم (1\92) وصححه ووافقه الذهبي.

يقول عمر بن عبدالعزيز رحمه الله تعالى –كما في "المحررالوجيز" (12\240)-: "إنما قَصُر بنا عن عِلْمِ ما جَهِلْنا تَقْصيرنا في العمل بما عَلِمْنا) .

قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى : " لا نزال نَتَعلَّم ما وجدنا من يعلمنا ". "حلية الأولياء" (6\363)

يقول عبدالله بن محمد البغوي –رحمه الله- كما جاء في "شرف أصحاب الحديث"

(ص\68) : "سمعت أبا عبدالله أحمد بن حنبل يقول: أنا طلب العلم إلى أن أدخل القبر

 

 سجل الزوار 
 
التعقيب على من أجاز شد الرحال إلى قبر الحبيب محمد صلى الله عليه و سلم


بسم الله الرحمن الرحيم

( فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً )(النساء: من الآية59)

الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

أما بعد :

فإتماماً لمشاركتي التي تكرمتِ ( الرسالة ) بنشرها في عددها الصادر بتاريخ (5 ذي القعدة 1425هـ ) فقد اطلعت على ملحق الرسالة الصادر يوم الجمعة 12 ذو القعدة 1425هـ ، وما فيه من ردود على ردّ شيخنا العلامة صالح بن فوزان الفوزان – حفظه الله تعالى – على الشيخ علي الجفري حول مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم وزيارة قبره ، وقد رأيت في الردود الأربعة من الكتّاب : ( سمير أحمد حسن برقة ، و نجيب يماني ، و أسامة الحازمي ، و إبراهيم مصطفى آل عبدالله ) ما يستحق الوقفات العديدة ، وقبل أن أنزل في ساحتهم ، وأبين بعض ما يوجب التنبيه عليه ، أحب أن أوضح لهم ولكل مسلم رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمدٍ صلى الله عليه و سلم أمرين :

الأمر الأول : أن الله تعالى لم يوجب علينا اتباع أحد غير أمره سبحانه وأمر نبيه محمد صلى الله عليه و سلم ، كما قال تعالى : ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) (آل عمران:132) ، وقال سبحانه : ( وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (المائدة:92) ، والآيات في المعنى كثيرة جداً ، وعليه فطاعة غير الله ورسوله في غير ما شرع الله تعالى وأذن به لا تجوز مهما كان قدره وفضله .

الأمر الثاني : أن كل عملٍ يتعبد فيه لله تعالى لا يجوز أن يعمل به إذا لم يأذن الله تعالى به في كتابه أو يأذن الله به رسول الله صلى الله عليه و سلم في سنته الصحيحة ، وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه و سلم من وجوه كثيرة أنه قال : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ) رواه مسلم .

وعن العرباض بن سارية قال : ( وعظنا رسول الله صلى الله عليه و سلم موعظة بليغة ذرفت منها العيون ، و وجلت منها القلوب ، فقلنا : يا رسول الله كأنها موعظة مودّع ، فأوصنا : فقال : أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة ، وإن تأمر عليكم عبد ، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً ، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) وفي رواية : ( وكل ضلالة في النار ) .

وهذا الحديثان يقضيان بأن أي عبادة لم يتعبد الله بها الرسول صلى الله عليه و سلم وصحابته من بعده فإنها : بدعة وضلالة ، داخلة في الوعيد بالنار .

فعلى هذا فإن شد الرحال إلى قبره عليه الصلاة و السلام ، عندما يراها الأربعة وغيرهم من أفضل القرب ، وأعظم الأعمال نسألهم :

هل جاء الأمر بها في كتاب الله تعالى ؟ .

وهل أمر بها الرسول صلى الله عليه و سلم في حديثٍ صحيحٍ يعتمد عليه ؟! .

وهل ثبت أن صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم – وهم أحرص الناس على الخير– أنهم كانوا يتجشمون المشاق ، ويقطعون القفار ، ويعتادون زيارة قبره بعد كل نسكٍ من حجٍّ أو عمرة ؟! .

وهل كانوا – كما يذكر نجيب يماني – يلتفون حول قبره تعظيماً لشأنه ؟! .

إن هذه الأسئلة وقفت حائرة على مسامع الكثير منهم ، حتى عجزوا عن الإجابة عليها ، فإن نفذت إلى قلوبهم قالوا : قال النووي ، وقال عياض ، وقال القسطلاني ! .

وهل قول هؤلاء – مع فضلهم وصلاحهم - حجة في دين الله تعالى ، فإن كانت حجة فهي منقوضة بمثلها بأقوال رجال وعلماء أجلاّء !! ، ثم ماذا :

هنا يكون الرد إلى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم ، والمصيب هو من كان الدليل حجته ، والاتباع طريقته ، وهذا أسلم الناس حالاً ممن يشرع ما لم يأذن الله تعالى به ، وقد قال سبحانه : ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) ، وقال تعالى : ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الإسراء:36) .

فلنتقِ الله يا أمة محمد صلى الله عليه و سلم ، ولنحذو حذو صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم في تلقيهم لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه و سلم ، حتى أثنى عليهم الله تعالى بقوله : ( إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (النور:51) . وأعود لسرد الوقفات مع مقالات الأربعة فأقول :

أما مقال الأخ ( سمير أحمد حسن برقة ) فقد ذكر أن لشيخ الإسلام ابن تيمية آراء كثيرة حول زيارة قبر الرسول r وشد الرحل له ! ، وهذا كلام غير صحيح بل رأي شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – واحد في سائر مؤلفاته ، وله كتب مفردة في مسألة الزيارة ، كرده على الأخنائي ، والبكري ، وغيرهما ، وما نقله الكاتب المذكور من قوله رحمه الله : ( إن السفر إلى مسجده الذي يسمى السفر لزيارة قبره هو ما أجمع عليه المسلمون جيلاً بعد جيل ) ، وظن الكاتب أن شيخ الإسلام يعني أن المسلمين أجمعوا على السفر لزيارة القبر ! ، هذا مخالف لظاهر كلامه هنا ، فالشيخ حكى الإجماع على مشروعية زيارة مسجد الرسول صلى الله عليه و سلم واستحبابها وبين أن الناس يسمونها في عصره وقبل عصره بزيارة القبر الشريف ، ولا يعني هذا موافقتهم في التسمية ، وإن وافق على مشروعية زيارة المسجد والسفر له للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك .

أما ما نقله من حاشية شيخ مشايخنا عبدالله العنقري رحمه الله تعالى على " الروض المربع " من قوله : ( وأما من كان قصده السفر إلى مسجده وقبره معاً فهذا مستحبٌ مشروعٌ بالإجماع ) .

فهذا الكلام أولاً : ليس للشيخ العنقري بل هو لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في رده على الأخنائي ، والشيخ العنقري ناقل له ، وقد بين هذا في أول الحاشية بقوله في أول كلامه : ( قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية في رده على الأخنائي ) وقال في آخره : ( انتهى من الرد المذكور ) .

أيضاً هذا الكلام صواب لم يخالف فيه أهل التوحيد والسنة ، وقد قسم الزيارة الشيخ تقي الدين ابن تيمية في رده المذكور ، ونقله عنه العنقري إلى ثلاثة أقسام :

 الأول : قصد المسجد للصلاة فيه قال : ( فهذا مشروع بالنص والإجماع ) .

الثاني : إن كان لا يقصد إلاّ القبر ولم يقصد المسجد ، قال ( فهذا مورد النزاع ، ومالك والأكثرون يحرمون هذا السفر ، وكثير ممن يحرمونه لا يجيزون قصر الصلاة فيه ، وآخرون يجعلونه سفراً جائزاً ، وإن كان غير مستحب ولا واجب بالنذر ) .

والثالث : قصد المسجد أصلاً ، وزيارة القبر تبعاً ، فهذا قصد مستحب ، ونصّ الأئمة على استحباب زيارة قبر النبي عليه الصلاة و السلام  لمن قدم من خارج المدينة كحال سائر من مرّ على قبر قريبه وصاحبه ، والنبي عليه الصلاة و السلام وأعظم قدراً .

والعجيب أن الكاتب يعيب على شيخنا الفوزان – حفظه الله - بأنه لم يقدم بينته !!! ، بينمالم يأت – هو - ببينة غير نقولات عن علماءٍ كلامهم ليس بحجة في أصول الدين ولا فروعه ، ولا يحدث في دين الله بقولهم شريعة ! ، وكان الواجب عليه إن كان حقاً صاحب بينة أن يأتي بمنشأ الحكم الشرعي من أدلة الوحيين الكتاب والسنة .

وما نقله من كلام القاضي عياض والنووي والعسقلاني وابن قدامة والبهوتي وابن جماعة والفيروزآبادي وغيرهم لا يعد حجة في الباب ، ولم ينكر شيخنا الفوزان ولا غيره من أهل العلم خلاف من خالف ، وكما ترى أن شيخ الإسلام ابن تيمية حكى الخلاف في ذلك في الصورة الثانية – في الصور التي تقدم ذكره - ، ولكن الكلام بعدما حصل الخلاف ، مع من يكون الحق ؟! ، أيكون الحق مع كثرة العدد ، ولمعان الأسماء ؟! .

أم يكون الحق مع من استند على دليل شرعي ، و وقف على ما شرع رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وطبقه صحابته الكرام ؟! .

فكما تقدم أن المؤمنين أُمروا حال تنازعهم بالرد إلى الله ورسوله ، ولم يأمرنا بالرد إلى مقالات الأشهر أو الأكثر ! ، وهذا الكلام هو الذي أزعج الكثير ممن خالفهم شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبدالوهاب عندما أنكروا مشروعية شد الرحل من أجل زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم فضلاً عن استحبابه ، وذلك لما تقدم من تأصيل راسخ في أن التشريع ليس له مصدر ملزم غير الكتاب والسنة ، وإلاّ لضاع الناس وراء اجتهادات العلماء واختياراتهم ! ، و وقعوا في آفة اليهود والنصارى من اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله يشرّعون ما شرعوا مما لم يأذن الله تعالى به .

ولعل طالب الحق المنصف يراجع ما سطرته أنامل الإمام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – في كتابه " الرد على الأخنائي " وما كتبه تلميذه ابن عبدالهادي في كتابه " الصارم المنكي " فقد حررا – رحمهما الله - هذه المسألة غاية التحرير .

وفيصل الأمر : أننا نطلب من استحب شد الرحال لزيارة قبر النبي عليه الصلاة و السلام ، وأن قبره هو القصد الأسمى من زيارة المسجد النبوي الشريف ، نطلب منهم دليلاً من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله صلى الله عليه و سلم الصحيحة أو فعل أحد الصحابة المرضيين أو التابعين المهديين ، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً .

والأسماء تقابل بأسماء فماذا كان ؟! ، فكما أنهم أوردوا أسماء من أقرّ مشروعية الزيارة ، فيقابلها أسماء من منع الزيارة وهم : الصحابيان الجليلان أبو سعيد الخدري وأبو بصرة و وافقه أبو هريرة رضي الله عنهم أجمعين(1) ، وكذا : القاضي عياض المالكي ، وابن عقيل الحنبلي، وأبو محمد الجويني الشافعي ، ونصّ ابن بطة الحنبلي في " الإبانة الصغرى " على أنه من البدع ، والقاضي حسين الشافعي ، وابن تيمية ، وابن القيم ، وابن عبدالهادي ، وذكر ابن عبدالهادي أن فتوى ابن تيمية عُرضت على علماء بغداد فأقروها [ الفتاوى : 27/193 ] ، وذكر منهم ابن الكتبي الشافعي [ 27/196] وَ محمد بن عبدالرحمن البغدادي – الخادم للطائفة المالكية بالمدرسة الشريفية المستنصرية [27/199 ] ، وعبدالمؤمن بن عبدالحق الخطيب [27/200 ] وجمال الدين يوسف بن عبدالمحمود ابن عبدالسلام بن البتي الحنبلي [27/204] وأبا عمر بن أبي الوليد المالكي وَ عبدالله بن أبي الوليد المالكي [ 27/206] ، ومنهم الشيخ ولي الله الدهلوي مؤلف " الحجة البالغة " ، والعلامة الشوكاني ، والأمير الصنعاني ، والمباركفوري صاحب " التحفة " ، وَبشير السهسواني ، وصديق حسن خان ، والعظيم آبادي ، وجمع لا يحصون ، فهذه أسماء ما يزيد على عشرين عالمٍ من علماء الإسلام والأئمة الأعلام من قبل ابن تيمية ومن بعده ، فكيف يقال زوراً وبهتاناً بأنه أول من انفرد بهذه المسألة ؟! .

وما أشار إليه الكاتب ( أسامة الحازمي ) من أن بلالاً رضي الله عنه شد الرحل من أجل زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم ، هذا غير صحيح ، وكان الأجدر بالأخ الحازمي النظر في إسناد القصة وكلام أهل العلم عليها لا أن تطرح فيغتر بها عامة الناس ، فهذه القصة قال عنها الحافظ ابن عبدالهادي في "الصارم المنكي" ( 314 ) : ( أثر غريب منكر وإسناده مجهول ، وفيه انقطاع ، وقد تفرد به محمد بن الفيض الغساني عن إبراهيم بن محمد بن سليمان بن بلال عن أبيه عن جده ، وإبراهيم بن محمد هذا شيخ لم يعرف بثقة ولا أمانة ولا ضبط ولا عدالة بل هو مجهول غير معروف بالنقل ولا مشهور بالرواية ولم يروِ عنه غير محمد بن الفيض روى عنه هذا الأثر المنكر ... ) .

وقال الحافظ الذهبي عن هذه القصة في " سير أعلام النبلاء" (1/357-358):( إسناده لين ، وهو منكر ) .

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "لسان الميزان" (1/107-108 ) : ( وهي قصة بينة الوضع ) أي مكذوبة .

وقال العلامة محمد بن علي الشوكاني في "الفوائد المجموعة" ( 40 ): ( لا أصل له ) .

ومما يردُ هذا أيضاً ما حكاه الحافظ ابن حزم في "المحلى" : (3/152) من أن بلالاً رضي الله عنه لم يثبت أنه أذّن بعد النبي عليه الصلاة و السلام إلاّ مرة واحدة بالشام ولم يتم أذانه، وبعد هذا كله كيف يحتج الأخ الحازمي بأثر حكم علماء الحديث بأنه موضوع ومكذوب لا يصلح للاحتجاج؟!.

ومن العجائب فهم الأخ الحازمي لقول النبي صلى الله عليه و سلم : ( لا تشد الرحال إلاّ لثلاثة مساجد .. ) الحديث ، حيث ظن أن مفهوم الحديث يمنع شد الرحال مطلقاً لأي شي كان من سفر تجارة أو عملٍ صالح كبناء مسجد أو طلب علم ، وهذا لم يفهمه أحد من أهل العلم من هذا الحديث فضلاً على أن يقول به ! ، وإنما معنى الحديث النهي عن شد الرحال لبقعة ما تعظيماً لها ! ، فليس في الدنيا بقعة تستحق أن يشد الرحل لها طلباً في بركة العبادة فيها : إلاّ هذه المساجد الثلاثة ، تعظيماً لشأنها ولما فيها من الفضيلة ، أما غيرها من بقاع الدنيا مهما بلغ قدرها وفضلها فلا يجوز شد الرحال إليها ، ومن ذلك قبر النبي صلى الله عليه و سلم ، قال ابن الأثير في " جامع الأصول" ( 9/283 ) : ( لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلاّ إلى هذه الأماكن الثلاثة ، تعظيماً لشانها وتشريفا ) اهـ.

ولهذا أنكر أبو بصرة رضي الله عنه على أبي هريرة لما خرج إلى الطور للصلاة فيه واحتج عليه بهذا الحديث .

ولا يعرض على هذا فضيلة شد الرحل للقيام بفضيلة كزيارة أخ أو طلب علم أو جهاد ونحوه لأن الفضيلة هنا والنظر في الأعمال لا في البقاع ، أما من شد الرحل إلى قبر نبيٍ أو وليٍ ، أو إلى مسجدٍ من مساجد الدنيا طلباً في فضيلة بقعته فهذا لا يجوز بنصّ هذا الحديث .

وما اعترض به الحازمي من أن هذا يلزم منه تعطيل الدعوة !! ، وترك بناء المساجد لتعذر السفر إليها : من أعجب العجب فإن هذا كله لا يدخل في النهي في هذا الحديث كما تقدم ، ومن رحل إلى أقاصي الدنيا لبناء مسجدٍ لا يقال بإنه قصد تلك البقعة لفضيلتها، ولو كان هذا قصده لثبت المنع مهما كان حال هذا القاصد .

وقد قال الأخ الحازمي : ( ليس هناك دليل شرعي يحرم أو حتى يكره الزيارة للنبي صلى الله عليه و سلم في قبره ) .

قلت : وهذا لا يخالف فيه أحد ، وليس هو محل النزاع هنا ، بل زيارة قبر النبي صلى الله عليه و سلم مستحبة كحال سائر القبور بل قبره أفضلها ! ، أما شد الرحل لزيارة قبره من غير قصد المسجد فهذا قد ورد الدليل بمنعه وهو الحديث السابق الذكر مع عدم ورود الدليل الصحيح الذي يحث على إنشاء القصد للسفر إلى قبر الرسول صلى الله عليه و سلم حتى ولو كان نذراً !! .

وقد سئل الإمام مالك بن أنس عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي صلى الله عليه و سلم ؟ ، فقال : إن كان أراد القبر فلا يأتيه ، وإن أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث : ( لا نشد الرحال .. ) ) من "المدونة" ( 2/87) و "الكافي" لابن عبدالبر ( 1/458) .

فهذا كلام الإمام مالك ، وهو من أهل المدينة ، وهم من أشد أهل العلم تعظيماً للنبي صلى الله عليه و سلم واتباعاً حتى عدّ اتفاقهم حجة ! ، وهو أدرى أهل العلم بمذهب أهلها ، وأقربهم عهداً بالصحابة وأبناء الصحابة ! ، ولو كان إنشاء السفر قصداً لقبر النبي صلى الله عليه و سلم معمولاً به لعرفه أهل المدينة ولما خفي على مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله تعالى .

وأما مقال الأخ نجيب يماني فليس فيه ما يوجب التوقف عنده غير أنه ذكر حديث أبي أمامة : ( قال الله عز وجل أحب ما تعبدني به عبدي إلى النصح لي ) رواه أحمد .

وهذا الحديث قال عنه الهيثمي في "مجمع الزوائد" ( 1/87 ) : ( فيه عبيدالله بن زحر عن علي بن يزيد وكلاهما ضعيف ! ) اهـ .

وكان الأولى أن يستدل بالحديث المشهور الصحيح : ( الدين النصيحة ، قلنا لمن يا رسول الله ؟ ، قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) رواه مسلم .

ثم استدل يماني بالحديث المروي بلفظ : ( من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ) رواه الطبراني .

وهذا الحديث مع شهرته إلاّ أنه لا يصح عن النبي صلى الله عليه و سلم .

وقد سمعت شيخنا ابن باز – رحمه الله تعالى – يقول عنه : لا أصل له ، ومعناه صحيح .

وهو عند الطبراني من حديث : حذيفة رضي الله عنه كما ذكر ، وإسناده ضعيف ، لأنه من رواية عبدالله بن أبي جعفر الرازي عن أبيه ، وعبدالله ليس بالقوي في روايته عن أبيه كما أشار إلى ذلك الحافظ ابن حجر في "التهذيب" ( 5 / 154 ) ، وشيخ الطبراني محمد بن شعيب الأصبهاني ، قال عنه أبو نعيم في "أخبار أصبهان" ( 2/ 252 ) : (يروي عن الرازيين بغرائب ) .

وقد ذكره الشوكاني في "الأحاديث الموضوعة" ( 83 ) من حديث أنس بن مالك .

وقال السخاوي في ( المقاصد الحسنة ) : ( إسناده واهٍ بمرة ، وإن كان المعنى صحيحاً ) .

ومما يجدر التنبيه عليه في مقال الأخ نجيب قوله : ( وقد وردت أحاديث كثيرة في استحباب زيارته والسلام عليه ، والوقوف على قبره واستحضار أخباره وسيرته ... ) .

والمطلوب من الأخ نجيب يماني : أن يعد لنا هذه الأحاديث ! شريطة صحتها !!! ، وقد أطلق شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – عدم صحة أي حديث يروي في تخصيص قبر النبي صلى الله عليه و سلم بالزيارة.

وأما مقال الأخ إبراهيم مصطفى آل عبدالله فأعتب عليه أولاً طريقة عتابه لشيخي العلامة الدكتور صالح الفوزان حفظه الله ، وتذكيره بالأدب وكأن شيخنا بحاجة إلى تأديبه ؟! ، وهو المؤدب حقاً في دروسه العلمية التي شارفت على نصف قرنٍ تقريباً ، وقسوة الشيخ في عبارته على من خالف السنة لا تشينه بل تزينه إظهارا لشناعة القول ، ولم تكن قسوة شيخنا – حفظه الله – في مسألة شد الرحل من عدمها ، وإنما مقابل المقالة الغريبة العجيبة الغالية في أن سبب فضيلة مكة والمدينة هو مجرد دخول شخص النبي صلى الله عليه و سلم فيها !! ، وهذا القول لم يقل به أحد يحتج برأيه من الصحابة والتابعين وأئمة الدين ، وقد بينت فساد هذا القول في عدد الرسالة الأسبوع الماضي .

ثم ذكر الأخ المذكور أدلته على شرعية شد الرحل إلى قبر الرسول صلى الله عليه و سلم ، وليس فيها دليل يعتمد عليه إما من حيث الدلالة أو من حيث صحة الدليل ! .

أما الآية الأولى : وهي قوله تعالى : ( وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً)(النساء: من الآية64) .

فيستدلون بها على أن من أراد التوبة فإنه يقدم للنبي صلى الله عليه و سلم حياً أو ميتاً!! ، وهذا ما لم يقل به أحد من الصحابة ولا من أئمة التابعين ، ولا من العلماء المحققين ، والقرآن الكريم يفسّر بالقرآن وبالسنة وبكلام من نزل القرآن عليهم من صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، وبكلام أقرب الناس لهم عهداً من التابعين وأتباعهم ، ولم يذكر أحد من المفسرين المعتمد عليهم أن معناها طلب الاستغفار من الرسول صلى الله عليه و سلم ، فالآية صريحة و واضحة ، وقضيتها واضحة وصريحة في حث المتحاكمين ومن ظلم نفسه أن يستغفر الله ويقدم إلى الرسول صلى الله عليه و سلم فيستغفر له الله تعالى ، أما بعد موت النبي صلى الله عليه و سلم ، فإنه لا يملك ذلك لأحدٍ ، لتحقق موته ومفارقة الحياة الدنيا ، وهو حي في قبره حياة برزخية ، وقد انفصل عن الحياة الدنيا ولم يبقَ له فيها إلاّ شرعه الذي جاء به .

أما دليله الثاني : وهو قوله تعالى : ( وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً)(النساء: من الآية100) .

ومن مفاريد الأقوال ، وعجائب الآراء ظن الكاتب أن هذه الآية نصاً في الزيارة !! ، أو الهجرة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم بعد موته !! ، وهذا ما لم يقل به أحد من أهل العلم ، ومراد الآية التحريض على الهجرة للرسول صلى الله عليه و سلم في حال حياته ، والانضمام إلى قومه ، وهي واجبة على كل مسلم ذلك الحين إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء فقد عذرهم الله تعالى كما في الآيات التي قبلها من قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) (النساء:97-98) ، ولم ينطق أحدٌ من عامة الناس من السلف الصالح فضلاً عن علمائهم أنه دخل المدينة وقال إنني مهاجر إلى رسول الله .

وللكاتب من المدة ما شاء حتى يأتي بأحد من الصحابة أو التابعين أو أئمة الدين الموثوق في علمهم قال في هذه الآية مثل ما قال ، وإلاّ فليحذر من القول على الله بغير علم ، وتفسير كلام الله تعالى بالرأي المجرد وقد جاء الوعيد في ذلك بالنار ، والله المستعان .

أما دليله الثالث : وهو الحديث المروي من أنه صلى الله عليه و سلم قال : ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) فهذا حديث باطل ، لا أصل له ، وقد قال عنه الحافظ ابن عبدالهادي في "الصارم المنكي" ( 31 ) : ( حديث منكر ضعيف الإسناد ، واهي الطريق لا يصلح الاحتجاج بمثله ، ولم يصححه أحد من الحفاظ المشهورين ولا اعتمد عليه أحد من الأئمة المحققين .. ) .

ثم أطال الحافظ ابن عبدالهادي الكلام على هذا الحديث وبيان بطلانه ، فليراجع هناك .

وخلاصة الكلام أن عامة من انتصر لشد الرحال إلى زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لم يأتِ بدليل يعتمد عليه ، ولا حجة يعتدّ بها ، مع أن عامة من تكلم في المسألة لم يفرّق بين الزيارة الشرعية والزيارة البدعية والزيارة الشركية ، فظنّ بأن الأمر واحد ، والحق أحق أن يتّبع ، والله المستعان وعليه التكلان(1) .

 

         

    

 

 

 


 

(1)  زعم بعضهم بأن أبا هريرة لم يلتفت إلى كلام أبي بصرة ! ، وهذا مخالف لنص الحديث ، ورى الإمام أحمد بإسناده إلى أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ أَبَا بَصْرَةَ الْغِفَارِيَّ قَالَ : مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْتَ ؟ ، فَقُلْتُ : مِنْ الطُّورِ ، فَقَالَ : أَمَا لَوْ أَدْرَكْتُكَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ إِلَيْهِ مَا خَرَجْتَ إِلَيْهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم يَقُولُ : ( لَا تُعْمَلُ الْمَطِيُّ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِلَى مَسْجِدِي وَإِلَى مَسْجِدِ إِيلِيَاءَ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ يَشُكُّ ) ، ونصّ الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " على موافقة أبي هريرة لكلام أبي بصرة رضي الله عنهما فقال : ( وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ اَلسُّنَنِ مِنْ إِنْكَار بَصْرَة اَلْغِفَارِيّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَة خُرُوجه إِلَى اَلطُّورِ وَقَالَ لَهُ " لَوْ أَدْرَكْتُك قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مَا خَرَجْت " وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا اَلْحَدِيثِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى حَمْلَ اَلْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ ، وَوَافَقَهُ أَبُو هُرَيْرَة ) [ 4/190 ] .

 

(1)  نشر هذا الرد في " ملحق الرسالة " بجريدة المدينة يوم :

 


 
 مواقع العلماء
 
 باحث جوجل

 الساعة

 أوقات الصلاة
الدولة:

 عداد الزوار
 إتصل بنا  
جميع الحقوق محفوظة © غرفة دعوة التوحيد - 2007