|
( أحلامنا ...... لا نهدمها )
الحمد لله الذي جعل البنين من عظيم النعم ، وجزيل المواهب، وجعل
بغية الولد من أسنى المطالب، وقال سبحانه وتعالى : ( الْمَالُ
وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ
الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً )
(الكهف:46) بل عز الآباء بما وهبهم الله تعالى من الأبناء ، ولهذا
قال زكريا عليه السلام : ( وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ
لَا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ) (الأنبياء :
89 ) ، ولا يخفى على الإنسان أن الرجل منذ أن تتفتق ثمار رجولته،
وتطرب نفسه للحياة الزوجية، تسبح به أحلامه في منحة الأولاد، فتراه
لم يتزوج بعد : وهو يفكر في اسمه، وكيف يربيه؟ ، وأين يدرس؟ ، وبأي
وظيفة يلتحق؟ ، وما إن ينعم الله تعالى عليه ويتزوج، ويبشر بقرار
النطفة في مستودعها إلا وتعظم في نفسه الفرحات بهبة من أعظم
الهبات، وإن كانت أمّه تحمله في أحشائها، فالأبّ يحمله في أفكاره
في نومه ويقظته، فلا تكاد الدنيا تسعه فرحاً حينما يستهل الابن
صارخاً ضيفاً على حياته الدنيا، وتبدأ الآن المسيرة الصادقة لتحقيق
تلك الأحلام.
وها هي النعمة المرجوة بين يديه .
فهل سيقابلها بالشكر؟ .
وكيف يكون شكر نعمة الولد ؟ .
وهل سيحقق أحلامه أم يهدمها ؟ .
هذه الأسئلة قد تكون من المسلّمات من حيث المبدأ والاعتقاد، ولكن :
المؤسف : أن الكثير من الآباء – إلا من رحم الله – يجهل أو يتجاهل
أن هذا الابن ما هو إلا غرسة يغرسها بيده، يراعيها، يسقيها بماء
الحياء والعلم والأدب ، يغذيها قلباً وقالباً ، يتعاهدها ، يبذل
مهجته وراحته من أجلها .
أين نحن من وصايا الأبناء وتأديبهم ؟! .
أين نحن عن وصايا الآباء التي تجلجل في أذهان الأبناء مدى الحياة .
نعم :
إن وصية الأب عندما يقول : يا بُني افعل كذا ، ولا تفعل كذا .
ويكررها على مسامعه بين الفينة والأخرى بأسلوب الأب اللطيف اللين
السهل العاطفي يكون لها كبير الوقع في نفسه الولد.
وهكذا هم الأنبياء وسادات الصالحين يوصون أبناءهم بصالح الأعمال .
فهذا يعقوب عليه السلام يوصي أبناءه فيما قال الله تعالى : قال
الله تعالى :
}
وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ
نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي
الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ
_
إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ
الْعَالَمِينَ
_
وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ
إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ
وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ
_
أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ
لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ
إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ
وَإِسْحَقَ إِلَـهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ
_
{
[ البقرة : 130-133 ] .
وهذا لقمان الصالح يوصي أبنه بوصايا من جميل الوصايا ، فيقول الله
تعالى عنه : :
}
وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا
تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ
_
وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ
وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي
وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ
_
وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ
عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَاب َ إِلَيَّ ثُمَّ
إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
_
يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ
فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ
يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ
_
يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ
عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ
عَزْمِ الْأُمُورِ
_
وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ
مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ
_
وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ
الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
_
{
.
وهذا محمد صلى الله عليه و سلم يوصي تلميذه وابن عمّه عبدالله بن
عباس رضي الله عنهما ويقول : ( يا غلام ، إِني أُعَلِّمك كلمات
احفظ الله يحفظك ، احفظ الله تَجِدْهُ تُجاهَكَ ، إِذا سألتَ فاسأل
الله ، وإِذا استعنتَ فاستَعِنْ بالله ، واعلم أن الأمة لو اجتمعت
على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إِلا بشيء قد كتبه الله لك ، وإن
اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إِلا بشيء قد كتبه الله عليك ،
رُفِعَتِ الأقلام ، وجَفَّتِ الصُّحف ) رواه الترمذي .
فلم تزل هذه الوصايا تجلجل في أذهان الأبناء لأنه لا تصدر إلا من
القلوب المشفقة المحبة للخير، ولو ذهبتُ أسرد وصايا الآباء للأبناء
لطال بي المقام ، وقد جمعت جملة مباركة منها في كتابي " تاج
الأدباء بوصايا الآباء للأبناء " ، وهكذا هو الواجب على الأب مع
ابنه أن يتعب أولاً لتعظم راحته آخراً ، ولا يهدم أحلامه بالتواني
والكسل والغفلة عن رعاية الابن.
وهذا الهدم مرير للغاية، يعود على بعض الآباء بالنكبات والويلات من
فرط عقوق الأبناء وجلب المشكلات على أبيه.
وإني أرسم خطوطاً عريضة للأب الصالح مع ابنه على وجه الاختصار لا
ينبغي لنا أن نغفل عنها :
أولها
: الدعاء ... الدعاء ، فقل : ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ
نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ
أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي
إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) (الأحقاف:15)
.
وقل : ( رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً
إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء ) (آل عمران:38 ) .
وقل : ( رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ) (الصافات :100 ) .
الثاني
: أصلح ما بينك وبين الله، والله يجازي الإحسان بالإحسان ، وكذلك
يجزي الله المحسنين قال تعالى : ( وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن
ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ
وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )
(الأنعام:84) فكافئهم الله بالذرية الصالحة جزاء لإحسانهم وصلاحهم
.
فابتعد عن المعاصي وسوف يمنحك الله الذرية الصالح ، كما قال تعالى
: ( فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ
وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً
) (مريم:49) ، وقال تعالى : (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ
نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ) (ص:30) .
الثالث
: الرباط ... الرباط ، فأنت على باب عظيم من الأجر ، وفي كلّ كبدٍ
رطبة أجر ، فكيف وأنت ترعى قطعة لحمٍ من لحم ودمك، ولهذا لو مات
صغيراً وصبرت كان فَرَطك إلى الجنة وشفيعك بين يدي الله تعالى ،
وإذا مات كبيراً وصبرت كافئك الله ببيت الحمد في جنات النعيم،
فرابط على تربيته وبذل النصح له، فإن من أعظم الغش التواني من منعه
من الحرام ، وتسليمه له ، وإقراره على ترك الواجبات، وقد قال النبي
عليه الصلاة و السلام : ( من رجل يسترعيه الله على رعية فيموت وهو
غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) متفق عليه.
فالأمر يحتاج منك إلى صبر ومصابرة ومرابطة فلا تعحز وعليك بالكيس .
الرابع
: كن قدوة حسنة ، وإلا لا عتب منك عليه إن شابهك في خلقٍ سيئ ! ،
فالحذار الحذار أن تنهاه عن خلق وتأتيه ! ، وتأمره بشيء ولا تعمل
به ، فإنّ هذا يعود على نفس الابن بعوائد سيئة ليست على نفسه فقط ،
بل عليك : فيعدم الثقة بك ، ولا يعتبر منك بأي نصيحة .
أسأل الله تعالى أن يصلح لنا ولكم الذرية ، وأن يجعلهم قرة عينٍ
لنا في الدنيا والآخرة ، وأن يلحقنا بالصالحين ، والله أعلم
كتبه
بدر بن علي بن طامي العتيبي
داعية بوزارة الشؤون الإسلامية بالرياض
عضو الجمعية العلمية السعودية للسنة وعلومها |